عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

7

اللباب في علوم الكتاب

فقالوا : النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل ، وكلاهما لا يليق بالحكيم ، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد ، وإما أن يكون مقيدا بلا دوام « 1 » [ وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان خاليا عن القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة ، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخا ، وإن كان مقيدا بقيد اللادوام ، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخا له ، وإن كان مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدلّ على ] « 2 » أنه يبقى دائما ، ثم إنه رفعه بعد ذلك ، فهاهنا كان جاهلا ، ثم بدا له ذلك ، [ وإن كان عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدلّ على أن يبقى دائما كان ذلك تجهيلا ] « 3 » فثبت أن النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل ، وهما محالان على اللّه تعالى ، فكان النسخ منه محالا ، [ فالآتي بالنّسخ في أحكام اللّه - تعالى - يجب أن يكون مبطلا ] « 4 » ، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام ، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة ، فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح ، وهنا الجهات متساوية في أنها للّه - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من [ جانب إلى ] جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا ، والعبث لا يليق بالحكيم ، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من اللّه تعالى ، وقد أجاب اللّه - تعالى - على هذه الشبهة بقوله تعالى : « قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » . وتقديره : أن الجهات كلها للّه - عز وجل - ملكا وملكا ، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة ؛ لأن اللّه عز وجل جعلها قبلة ، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتّحويل من جهة إلى جهة ؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام اللّه تعالى وأفعاله على قول أهل السّنة . وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان : الأول : لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات ، وبيانه من وجوه : أحدها : أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه ، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيما وخشوعا ، وذلك مصلحة مطلوبة . وثانيها : أن الكعبة منشأ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب [ لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع ، والمفضي إلى المطلوب مطلوب ] « 5 » .

--> ( 1 ) في أ : بقيد . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في ب .